ابن الجوزي
68
زاد المسير في علم التفسير
قوله تعالى : ( لا تدركه الأبصار ) في الإدراك قولان : أحدهما : أنه بمعنى الإحاطة . والثاني : بمعنى الرؤية . وفي " الأبصار " قولان : أحدهما : أنها العيون ، قاله الجمهور . والثاني : أنها العقول ، رواه عبد الرحمن بن مهدي عن أبي حصين القارئ . ففي معنى الآية ثلاثة أقوال : أحدها : لا تحيط به الأبصار ، رواه العوفي عن ابن عباس ، وبه قال سعيد بن المسيب ، وعطاء . وقال الزجاج : معنى الآية : الإحاطة بحقيقته ، وليس فيها دفع للرؤية ، لما صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من الرؤية ، وهذا مذهب أهل السنة والعلم والحديث . والثاني : لا تدركه الأبصار إذا تجلى بنوره الذي هو نوره ، رواه عكرمة عن ابن عباس . والثالث : لا تدركه الأبصار في الدنيا ، رواه أبو صالح عن ابن عباس ، وبه قال الحسن ، ومقاتل ، ويدل على أن الآية مخصوصة بالدنيا ، قوله تعالى : ( وجوه يومئذ ناضرة . إلى ربها ناظرة ) فقيد النظر إليه بالقيامة ، وأطلق في هذه الآية ، والمطلق يحمل على المقيد . وقوله تعالى : ( وهو يدرك الأبصار ) فيه القولان : قال الزجاج : وفي هذا الإعلام دليل على أن خلقه لا يدركون الأبصار ، أي : لا يعرفون حقيقة البصر ، وما الشئ الذي صار به الإنسان يبصر من عينيه ، دون أن يبصر من غيرهما من أعضائه ، فأعلم الله أن خلقا من خلقه لا يدرك المخلوقون كنهه ، ولا يحيطون بعلمه ، فكيف به عز وجل ؟ ! فأما " اللطيف " ، فقال أبو سليمان الخطابي : هو البر بعباده ، الذي يلطف لهم من حيث لا يعلمون ، ويسبب لهم مصالحهم من حيث لا يحتسبون . قال ابن الاعرابي : اللطيف : الذي يوصل إليك أربك في رفق ، ومنه قولهم : لطف الله بك ، ويقال : هو الذي لطف عن أن يدرك بالكيفية . وقد يكون اللطف بمعنى الدقة والغموض ، ويكون بمعنى الصغر في نعوت الأجسام ، وذلك مما لا يليق بصفات الباري سبحانه . وقال الأزهري : اللطيف من أسماء الله ، معناه : الرفيق بعباده ، والخبير : العالم بكنه الشئ ، المطلع على حقيقته . قد جاءكم بصائر من ربكم فمن أبصر فلنفسه ومن عمي فعليها وما أنا عليكم بحفيظ ( 104 ) قوله تعالى : ( قد جاءكم بصائر من ربكم ) البصائر : جمع بصيرة ، وهي الدلالة التي توجب البصر بالشئ والعلم به . قال الزجاج : والمعنى : قد جاءكم القرآن الذي فيه البيان والبصائر ( فمن